شحنة الإسمنت بين الصّناعة ومعهد البحوث: خلاف على نتيجة الفحص؟ -- Sep 03 , 2026 8
للوهلة الأولى، بدت قضية شحنة الإسمنت المستوردة من مصر، خلافاً إدارياً بين وزارة الصناعة ومعهد البحوث الصناعية، قبل أن تكشف المعطيات المتبادلة أن جوهرها يتعلق بآلية التنسيق والإبلاغ وتوقيت الفحص، أكثر مما يتعلق بنتيجة الاختبارات نفسها.
فالإسمنت مادة أساسية في البناء، وأي خلل في مطابقتها للمواصفات قد تكون له تداعيات على السلامة العامة. وفي هذه القضية، يؤكد معهد البحوث أن الشحنة خضعت لإجراءات تقييم المطابقة وأن نتائجها جاءت مطابقة للمواصفات الوطنية الإلزامية، فيما يعترض وزير الصناعة جو عيسى الخوري على الطريقة التي جرى بها التعامل معها، ولا سيما لجهة توقيت أخذ العينات والسماح بإدخال الشحنة وتداولها قبل استكمال إجراءات الفحص.
بدأت القضية عندما وجه عيسى الخوري كتاباً إلى المدير العام لمعهد البحوث الصناعية، طلب فيه إجراء تحقيق فوري مع الموظفين المعنيين بإدخال شحنة الإسمنت العائدة إلى شركة "دير عمار ميتال ش.م.م." عبر مرفأ طرابلس، واتخاذ الإجراءات المناسبة وإيداعه المستندات ونتائج التحقيق.
وأوضح الوزير أن الشحنة أدخلت استناداً إلى إفادة صادرة عن معهد البحوث الصناعية وموجهة إلى إدارة الجمارك، تفيد بأن البضاعة غير خاضعة للأحكام الإلزامية أو أنها بكميات إفرادية قليلة. لكن عيسى الخوري اعتبر أن هذه الإفادة لا تنطبق على شحنة تبلغ نحو 6 آلاف طن، مشدداً على أن الإسمنت المستورد لا يمكن إدخاله إلى السوق اللبنانية إلا بعد الحصول على إفادة موافقة من معهد البحوث الصناعية. الاشتراك في المنصات الإخبارية
ويستند الوزير في موقفه إلى المرسوم الرقم 9766 الصادر في 11 آذار 2003، الذي أعطى صفة الإلزام للمواصفة القياسية اللبنانية الرقم 53 المتعلقة بالإسمنت. كما أشار إلى أن المدير العام لوزارة الصناعة كان قد أبلغ المديرية العامة للجمارك بهذا الأمر في كتاب مؤرخ في 15 تموز 2026.
روايتان حول الفحص
في المقابل، أوضح معهد البحوث الصناعية أن فتح باب استيراد الإسمنت تم من دون إبلاغه، وفي ظل غياب آلية واضحة ومتفق عليها مسبقاً، وأن هذه الشحنة كانت الأولى من نوعها. وأضاف أنه تدارك الأمر وأجرى إجراءات تقييم المطابقة اللازمة، بما فيها أخذ العينات والتحاليل المخبرية، وأن النتائج جاءت مطابقة للمواصفات الوطنية الإلزامية.
وبحسب المعطيات المتوافرة، وصلت الشحنة، البالغة نحو 6 آلاف طن، إلى مرفأ طرابلس في الثالث من آب. وعندما علم المعهد بوصولها بـ"التواتر"، جرى التواصل مع الجمارك وأخذ عينات منها، ثم أجريت الفحوص التي خلصت، وفق المعهد، إلى مطابقة الإسمنت للمواصفات.
بيد أن عيسى الخوري يطرح علامة استفهام حول التسلسل الزمني للإجراءات. فهو يقول إن عينة أرسلت في الثالث من الشهر، وإن المعهد أرسل إلى الجمارك إفادة تفيد بعدم الحاجة إلى إجراء فحص، قبل أن يعاد إجراء الاختبار في السابع عشر من الشهر.
ويؤكد أن المعايير اللبنانية تفرض اختبار الإسمنت لمدة 28 يوماً، مستنداً إلى الآلية التي كانت تطبّق على الإسمنت اللبناني عند تصديره إلى الخارج. ومن هنا، يسأل: لماذا أعيد الفحص في السابع عشر، ولماذا سمح بتداول الشحنة استناداً إلى نتيجة اختبار الأيام السبعة، فيما كانت نتيجة اختبار الـ28 يوماً لا تزال قيد الانتظار؟ اقتناء الخرائط والأطلس الجغرافي
كما يسأل عن الدليل إلى أن العينة التي خضعت للفحص لاحقاً كانت مأخوذة فعلاً من الشحنة، خصوصاً أن جزءاً من الشحنة، بحسب قوله، كان قد يكون بيع وبدأ استخدامه قبل اكتمال الاختبارات.
ويرى عيسى الخوري أن القضية لا تتعلق فقط بهذه الشحنة، بل بضرورة تحديد آلية واضحة للتعامل مع جميع شحنات الإسمنت المستوردة مستقبلاً. فالمطلوب، بحسب موقفه، ألا يبقى تحديد الجهة التي يجب أن تبلغ المعهد، أو توقيت أخذ العينات، أو إمكان تداول الإسمنت قبل اكتمال الفحص، خاضعاً للاجتهاد.
أين تكمن المشكلة؟
بعيداً من السجال بين الطرفين، تبدو الثغرة الأساسية مرتبطة بغياب آلية مسبقة وواضحة تحدد المسؤوليات منذ لحظة فتح باب الاستيراد وصولاً إلى وصول الشحنة وأخذ العينات وطرحها في السوق.
وكان فتح باب استيراد الإسمنت، بعد انقطاع استمر عقوداً، يفترض تنسيقاً واضحاً بين وزارة الصناعة ومعهد البحوث والجمارك، يحدد الجهة التي تبلغ بوصول الشحنة، وتوقيت أخذ العينات، وإجراءات الفحص، وما إذا كان يمكن تداولها قبل انتهاء الاختبارات.
وتشير المعطيات إلى أن آليات استيراد مواد أخرى، كالحديد والألومنيوم، تتضمن تفاصيل أوضح بشأن إجراءات التحقق وأخذ العينات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى آلية مماثلة للإسمنت، خصوصاً أن فتح باب الاستيراد جاء بعد فترة طويلة من توقفه.
والمعلوم أن فتح باب الاستيراد جاء في ظل نقص في الإسمنت بعد توقف معامل رئيسية وعدم قدرة الإنتاج المحلي على تغطية كامل حاجة السوق، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وظهور سوق سوداء. وكان الهدف من الاستيراد تأمين المادة وكسر الاحتكار وخفض الأسعار، مع اعتماد مصر أحد أبرز مصادر الاستيراد.
التحقيق هو الفيصل
في 19 آب، طلب عيسى الخوري رسمياً إجراء تحقيق فوري مع الموظفين المعنيين، كما طلب سحب الإفادة التي سمحت بإدخال الشحنة وإبلاغ الجمارك بعدم العمل بها، وإيداعه كامل المستندات ونتائج التحقيق.
وتالياً، فإن الملف، وفق آخر المعطيات، لم يحسم نهائياً بعد. فمعهد البحوث يقول إن الشحنة خضعت للفحوص وإنها مطابقة للمواصفات، فيما يصر وزير الصناعة على التحقيق في الأساس الذي سمح بإدخالها والتعامل معها قبل استكمال المسار الذي يعتبره إلزامياً.
سلوى بعلبكي- النهار